اسماعيل بن محمد القونوي

217

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

قوله : ( إن كان لكم عقل علمتم أن لا جواب لكم فوق ذلك ) إن كان لكم عقل خالص عن الوهم فلذا أتى بكلمة الشك وأشار إلى أن تعقلون من العقل بمعنى القوة التي بها تدرك النفس الأشياء الكلية ويمكن حمله على ذلك الإدراك أي إن كنتم تعلمون حقيقة الأشياء أو إن كنتم من أهل العلم واكتفى بالأول للتعريض بأن المجنون في الحقيقة من غفل عن ربه ونسب الجنون إلى العارف باللّه تعالى . قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : آية 29 ] قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ ( 29 ) قوله : ( لاينهم أولا ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم عدولا إلى التهديد عن المحاجة ) لاينهم من اللينة على وزن المفاعلة عاملهم باللين والرفق لما قال لهم إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 26 ] ثم خاشنهم وأغلظ في الرد عليهم بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] قوله عن المحاجة متعلق بقوله عدولا والتعبير بالمحاجة لكونها في صورة المحاجة . قوله : ( بعد الانقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج ) بعد الانقطاع أي بعد انقطاع البحث ولم يكن له محال بالمناقشة ولم يكن له أن ينكر ظهور آثار صنعه تعالى ديدن بفتح الدال العادة المحجوج المغلوب . قوله : ( واستدل به على ادعائه للألوهية وإنكاره للصانع ) واستدل به أي بقوله : لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي [ الشعراء : 29 ] أو بقول : وَما رَبُّ الْعالَمِينَ [ الشعراء : 23 ] إلى هنا على أن فرعون يدعي الألوهية وهذا لا يلائم قوله : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] قال المص هناك نفى علمه بإله غيره دون وجوده إذ لم يكن عنده ما يقتضي الجزم بعدمه انتهى . وهذا لا يلائم الادعاء قوله : لاينهم أولا ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم هذا بيان لوجه قوله عليه السّلام أولا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ [ الشعراء : 24 ] وفي هنا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] يعني لاين موسى عليه السّلام أولا وخاطبهم بالرفق حيث لم يخاطبهم أولا بما يوهم أنهم منسلبون عن العقل بل خاطبهم بما يوهم أنهم مسلوبو اليقين وجه الرفق فيه أن سلب اليقين لا يستلزم سلب العقل والتمييز ثم لما رأى منهم شدة الشكيمة في العناد وقلة الإصغاء إلى عرض الحجج خاشن وعارض قوله : أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : 27 ] بقوله : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [ الشعراء : 28 ] حيث خاطبهم بما يوهم أنهم مسلوبو العقل والتمييز . قوله : وهذا ديدن المعاند المحجوج أي التهديد بعد انقطاع الكلام والعجز عن المحاجة ديدن المعاند المحجوج أي عادة المعاند المغلوب بالحجة . قوله : واستدل به على ادعائه للألوهية أي واستدلوا بقول فرعون لأن اتخذت إلها غيري على ادعائه للألوهية وإنكاره للصانع على أن تعجبه بقوله : أَ لا تَسْتَمِعُونَ [ الشعراء : 25 ] كان من نسبة الربوبية إلى غيره لا من عدم طباق الجواب السؤال كما أول به آنفا .